حرب الغازات السامة والأسلحة الكيماوية بالريف : تفرسيت لم تسلم هي الأخرى
بواسطة بتاريخ 23 يناير, 2012 في 04:17 مساء | مصنفة في أخبار تفرسيت | لا تعليقات

تفرسيت بريس

الصور للسيد بوليلا علي عضو مجموعة تفرسيت بريس على الفايسبوك

http://www.facebook.com/#!/groups/Tafersit.crew/

تستخدم الأسلحة الكيميائية لتدمير أو تحجيم أو الحد من نشاط مجموعة بشرية معينة لتحقيق أهداف مختلفة، حيث أن ما تتميز به الأسلحة الكيميائية هو التأثير غالبا على الكائنات الحية فقط (ماعدا الأسلحة النووية التي يكون تدميرها شاملا ومتعديا حدود المكان الجغرافية). وتصنف الأسلحة الكيميائية عدة تصنيفات، إما حسب شدة تأثيرها أو حسب إمكانية السيطرة عليها والحد من سرعة انتشارها.

حرب الأسلحة الكيماوية والغازات السامة بالريف

تعد حرب الغازات السامة التي شهدتها منطقة الريف من أهم الحروب الكيماوية في تاريخنا المعاصر، حيث التجأت إليها إسبانيا بمساعدة حلفائها قصد القضاء على مقاومة عبد الكريم الخطابي التي كانت قد حققت انتصارا باهرا على القوات الفرنسية والإسبانية في معركة أنوال سنة 1921م وغيرها من المعارك البطولية. واستعملت الحكومة الإسبانية كل الغازات المحرمة دوليا بسبب الذل المهين وهستيريا الهزيمة ورغبة في رد الاعتبار المعنوي للإمبراطورية الإسبانية بعد أن منيت بعدة هزائم أثرت سلبا على قوة الجيش الإسباني عددا وعدة.
وقد ترتب عن قنبلة الريف كيماويا برا وبحرا وجوا من سنتي 1921م إلى سنة 1927م مقتل الكثير من الريفيين، وتدمير البيئة بشمال المغرب، وتلويث المياه، وتسميم الأجواء، وجرح الكثير من السكان وإعطابهم باسم الحضارة الغربية والمدنية المتقدمة ضد سكان الريف الأصليين العزل الذين كانوا يدافعون عن سيادتهم وبلدهم وكينونتهم ودينهم وعرضهم وشرفهم ضد غزو العداة الألدة الذين قدموا إلى الريف من أجل استغلاله واستنزاف خيراته.
إذا، ما هي دواعي حرب الغازات السامة بالريف؟ وما سياقها التاريخي والمرجعي؟ وما هي أنواع الغازات المستعملة في الشمال المغربي؟ وما هي المراحل التي قطعتها هذه الحرب الكيماوية؟ وما نتائج هذا العدوان الكيماوي الغاشم على الإنسان والبيئة؟ وما هي الإجراءت التي يمكن اللجوء إليها لمحاسبة مرتكبي هذه الحرب الكيماوية تاريخيا وسياسيا واجتماعيا وقانونيا ومدنيا؟ تلكم هي الأسئلة التي سوف نطرحها للدرس والمناقشة.

1- تاريخ حروب الغازات السامة:

من المعلوم أن الغازات السامة الكيماوية استعملت لأول مرة في الحرب العالمية الأولى سنة 1917م من قبل دول المحور بقيادة ألمانيا ضد دول الحلفاء، وكانت الدولة المتضررة كثيرا بهذه الغازات الكيماوية هي بلجيكا القريبة من حدود ألمانيا، والتي لحقها أثر هذه السموم الكيماوية في 12 يوليوز 1917م. بيد أن الحلفاء اضطروا بدورهم إلى استخدام الغازات السامة ولاسيما فرنسا وبريطانيا للانتقام من ألمانيا التي خرجت من هذه الحرب منهزمة سنة 1918م. وترتب عن هذه الحرب أن قتل 1.300.000 مواطن مدني وعسكري بسبب آثار هذه الغازات الكيماوية.
لذا، عقد مؤتمر الصلح بـﭭرساي سنة 1919م لإجبار ألمانيا وباقي الدول المشاركة في الحرب العالمية الأولى على توقيع وثيقة منع توظيف المواد الكيماوية أثناء الحروب، وتحريم استخدام الأسلحة السامة بشكل نهائي. وهذا ما قرره أيضا بروتوكول جنيف سنة 1925م حيث نص على منع استعمال الأسلحة المحرمة دوليا أثناء اندلاع الحروب الإقليمية أو الجهوية أو الدولية. وهذا ما قرره كذلك اتفاق سنة 1972م الذي وقعته 131 دولة يمنع بدوره استخدام الأسلحة الكيماوية الغازية والجرثومية، كما عملت هيئة الأمم المتحدة ما بين 1992 و1997م على منع استخدام هذه الأسلحة الخطيرة بواسطة ترسانة من القوانين الدولية.
بيد أننا نلاحظ انتهاكات جسيمة لهذه المواثيق من قبل الدول القوية على سبيل الخصوص على الرغم من تحذيرات المجتمع الدولي وصيحات المجتمع المدني، إذ استعملت بريطانيا هذه الغازات السامة في العراق سنة 1919م، وفي الشمال الغربي من الهند في عشرينيات من القرن العشرين. كما استعملتها إسبانيا في حرب الريف بعد انهزامها في حرب أنوال سنة 1921م، وكثفت منها إلى غاية سنة 1927 م. والتجأت إليها فرنسا في قمع ثورات ضواحي فاس. واستعملتها الولايات المتحدة ضد اليابان أثناء الحرب العالمية الثانية، وضد ﭭيتنام هوشي منه في الستينيات من القرن الماضي، وضد العراق في حرب الخليج الأولى في بداية التسعينيات من القرن الماضي.
أضف إلى ذلك، أن إيطاليا الفاشية استعملت هذه الغازات ضد الحبشة ما بين 1935 و1936م، واستعملتها اليابان ضد الشعوب الآسيوية وشعوب مستعمراتها ما بين 1937 و1945م. ووظفتها إسبانبا وفرنسا في قمع ثورة وادي الذهب في الصحراء المغربية سنة 1958م، واستعملتها القوات الصينية الوطنية ضد القوات الصينية الشعبية.
ووظفت هذه الغازات كذلك من قبل قوات فراكو اليمينية ضد الجمهوريين اليسار إبان الحرب الأهلية ما بين سنتي 1936 و1937م.
ولم تستخدم ألمانيا هذه الغازات السامة في الحرب العالمية الثانية؛ لأنها كانت تعرف جيدا أن حلفاءها الأقوياء يملكون هذه الغازات السامة بكثرة، فلو استخدمتها في حربها الميدانية العسكرية، فإن العواقب ستكون خطيرة جدا على التواجد الألماني والكينونة الجرمانية.

2- الدراسات التي تناولت الغازات السامة بالريف:

قليلة هي الدراسات التي تناولت حرب الغازات السامة بالريف بالدراسة والمناقشة والتحليل بسبب سرية الملف وقلة الوثائق التاريخية التي احتكرتها السلطات العسكرية ووزارات الشؤون الخارجية الإسبانية والفرنسية والبريطانية والألمانية. وتمنع هذه الدول الأربع كل نبش في وثائق وأرشيف هذا الموضوع؛ لكونه موضوعا خطيرا وحساسا سيثير مجموعة من المشاكل السياسية والاجتماعية ناهيك عما سيولده من كراهية زائدة لدى العرب تجاه الأوربيين وهم في غنى عنها. وبالتالي، فإنه سيجعل حكومات هذه الدول في مأزق سياسي وموضع تساؤل تاريخي وقانوني ومدني. وقد يؤجج هذا الموضوع المؤرق الساخن فتيل العديد من المظاهرات الداخلية والخارجية، وقد يساهم في تفجير مجموعة من الاضطرابات المدنية والنزاعات السياسية، ناهيك عن توليد إحساس عدواني قد يضخم القضية، فيجعلها حربا دينية وحضارية دفينة على المستوى الشعوري واللاشعوري.
ومن الوثائق الشاهدة على استعمال إسبانيا الغازات السامة في حربها العدوانية ضد الريف ما كتبه الإسبانيون وحلفاؤهم من الألمان والبريطانيين والفرنسيين من وثائق شاهدة ضدهم من خلال اعترافهم الصريح بجرمهم اللا إنساني في حق السكان الريفيين الأصليين العزل باستخدام الغازات السامة وأسلحة الدمار الشامل.
فمن الإسبان، نستحضر شهادة رامون سيندر Ramon J. Sender في روايته “إمان Iman” سنة 1930م التي أشار فيها الكاتب إلى مخلفات الحرب الكيماوية وأثرها على الجنود الإسبان في صراعهم مع الريفيين. وما كتبه أيضا ملاحظ الطيران العسكري بيدرو أوندا بوينو Pedro Onda Bueno في سيرته الذاتية: ” La vida y yo/ أنا والحياة” سنة 1974م يحكي فيها عن قنبلة الطائرات الإسبانية للحقول الريفية بواسطة الغازات السامة الخطيرة. زد على ذلك، ما خططه إگناسيو هيدالگو دي سيسنيروس Ignacio Hidalgo de Cisneros في كتابه: “تغير الوجهة Cambio de Rumbo“، حيث قدم مجموعة من الشهادات الخاصة بقنبلة الريف بالغازات السامة بواسطة طائرات فـارمان / Farman F. 60.
ومن الدراسات الأخرى الحديثة التي تناولت حرب الغازات في الريف الكتاب الذي أصدره الصحفيان الألمانيان رود بيرت كونزRudibert Kunz، ورولف دييتر مولر Rolf-Dieter Müller سنة 1990م تحت عنوان: “حرب الغازات السامة بالمغرب، عبد الكريم الخطابي في مواجهة السلاح الكيماوي”، ودراسة الإسباني خواندو باندو Juando Pando: “التاريخ السري لحرب أنوال Historia secrita de Anual” سنة 1999م، ودراسة كارلوس لازارو أﭭيلا Carlos lazaro Avila في مقاله القيم: “الملاحة الجوية العسكرية الحديدية بالمغرب (1909-1927م)، والمقال موجود في الكتاب الجماعي الذي صدر سنة 2001م بعنوان “شركات المغرب 1909-1927م”، وكتاب أنخيل ﭭينياس Angel Vińas “فرانكو وهتلر وانفجار الحرب الأهلية” سنة 2001م.
ولا ننسى ما كتبته أيضا ماريا روسا مادارياگا Maria Rosa de Madariaga بعنوان: “المغاربة الذين جلبهم فرانكو” سنة 2002م، ودراسة البريطاني سبستيان بلفور Sebastian Balfour المعنونة ﺒ”العناق القاتل” الصادر سنة 2002 م، علاوة على المقالات التي كتبت بعد ذلك حول حرب الغازات من قبل أكناسيو شيمبريرو Ignacio Cembrero، وباكو صوطو Paco soto، ورشيد راخا، ومحمد الشامي، وميمون الشرقي، وأحمد الحمداوي، ومصطفى بن شريف(1)، وزكية داود(2)، وعلي الإدريسي، ومحمد بن عمر بن علي العزوزي الجزنائي، و عزالدين الخطابي، وجميل حمداوي…

3- دواعي لجوء الإسبان إلى استعمال الغازات السامة:

من المعروف أن محمدا بن عبد الكربم الخطابي حقق كثيرا من الانتصارات على الجيش الإسباني في عدة مواقع نزالية كمعركة أظهار أوبران، ومعركة أنوال، ومعركة جبل عروي، ومعركة سلوان، ومعركة الكبداني، ومعركة الناظور، ومعركة تزي عزة… وقد سبب المجاهدون الريفيون للجيش الأيبيري عدة خسائر مادية وبشرية، فأثارت الرأي العام العالمي(3)، ثم أثارت الرأي العام الإسباني. وبعد ذلك، نوقشت تداعيات حرب الريف في المجالس الوزارية والحكومية وفي جلسات البرلمان الإسباني. وضغطت الصحف الإسبانية على الحكومة القائمة في عهد ألفونصو الثامن بضرورة توجيه ضربة قاضية للمقاومة الريفية للانتقام والتشفي من الريفيين، ورد الاعتبار للإمبراطورية الإسبانية التي مرغ شرفها في وحل منطقة الريف، ولو اقتضى الأمر في ذلك باستخدام الأسلحة المحرمة دوليا، ولو استلزم الموقف أيضا الاستعانة بتجنيد المتطوعين الأجانب في قنبلة جبال الريف كيماويا، واللجوء إلى الأسلحة الغازية السامة لإخماد شعلة ثورة الريف بأي ثمن كان.
ومن هنا، أعطيت أوامر من السلطات المركزية بمدريد باستعمال الأسلحة الغازية الفتاكة للقضاء على التهديد الريفي بصفة نهائية. وقد طلبت الحكومة الإسبانية المساعدة من فرنسا وألمانيا لتشييد معامل عسكرية عصرية متخصصة في إنتاج الأسلحة الفتاكة وتوليد المركبات الكيماوية الحربية. فأنشئ لذلك معملان أحدهما بمدينة مريوزا بإسبانيا، والثاني قرب مدينة مليلية بضاحية مارشيكا قرب بحيرة الناظور.
وابتداء من سنة 1921م، أصبحت إسبانيا تملك العديد من المدافع الغازية والطائرات الحاملة للقنابل السامة التي استوردتها من فرنسا. وتلقى أكثر من 300 جندي إسباني تدريبهم في فرنسا على كيفية استخدام الأسلحة السامة وتركيب القنابل كيماويا. بل هناك الكثير من الجواسيس والمهندسين الألمان الذين كانوا يزورون مدينة مليلية كل شهر، وكانوا يسهرون على تسيير معمل الغازات السامة ويشرفون بأنفسهم على تأطير الجنود وعمال المصنع في عمليات التركيب والتوليد والإنتاج. واستوردت إسبانيا طائرات خاصة بحمل قنابل الغازات السامة من فرنسا وألمانيا والدانمارك، واستعانت بالطيارين المرتزقة الأمريكيين والفرنسيين والأوروبيين استعدادا لاستعمال الأسلحة الكيماوية في جبال الريف على نطاق شامل.
والدليل على رغبة السلطات العامة في استخدام الغازات السامة ضد الريفيين ما قرره المقيم العام بمليلية السيد برينكر أثناء حديثه الهاتفي مع وزير الحربية إيزا، وقد أورده المؤرخ الإسباني خوان باندو Juan Pando في كتابه: “التاريخ السري لحرب الريف” في شكل حوار يعبر عن وحشية السلطات العسكرية الإسبانية:
“يوم الثاني عشر من غشت (1921م)، جرى اتصال تلغرافي آخر بين كل من الوزير إيزا وبرنكر. أما ميان استراي فكان متواجدا بمكتب الوزير، إذ ذهب إلى (بوينابيستا) ليطلعه على آخر الأنباء بمليلية، وجاءت نهاية المحادثات على هذا النحو:
الوزير: وبشأن المدفعية التي يشغلني أمرها كثيرا، أود القول بأن كل الطلبات طور الإنجاز، كما قمنا كذلك بشراء عربات مصفحة ومدرعات، ومواد تستخدم في تركيب غازات خانقة ستحضر هناك في مليلية.
المقيم العام: كنت دائما أعارض استعمال الغازات السامة ضد هؤلاء الأهالي، الآن وقد خدعونا وبعد تصرفاتهم المشينة معنا، فسنستعملها ضدهم بكل سرور.
الوزير: وفيما يخص الغازات، فقد فكرت في تشييد مصنع في مليلية، ولك أنت أن تتدبر كيفية استعمالها وتنفيذها، هذا هو كل شيء. وداعا الآن ولك مني أحر السلام.
المقيم العام: صدقني، سأستعمل هذه الغازات. أتركك الآن مع أطيب التحيات”.
لم يشعر برنكر بصفته مقيما عاما أن أهدافه تحققت كاملة. لكن الكبريت والفوسجين، وهي نفس الغازات التي استعملها الألمان في حروبهم سنة 1915م، كانت في طريقها إلى المغرب.”(4)
يتبين لنا بأن استعمال الغازات السامة في حرب الريف استوجبته الهزيمة النكراء للإسبان في معركة أنوال التي حقق فيها البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي انتصارا ملحميا كبيرا بواسطة فئة قليلة من المجاهدين على جيش إسباني نظامي مؤهل عسكريا عددا وعدة ليخوض كل حرب نظامية حديثة.
وعليه، فقد أعدت إسبانيا كل ما لديها من قوة بشرية ومالية ومادية وما تتملك من ترسانة من الأسلحة الحديثة الفتاكة لدحر المقاومة الريفية الإسلامية قصد الانتقام من المجاهدين الريفيين الأشاوس عن طريق إيجاد 470 طن من الغازات الكيماوية السامة و530 طائرة مصنوعة في فرنسا وألمانيا والدانمارك، يقودها طيارون متطوعون مرتزقة من أوروبا وأمريكا الشمالية.(5)
- مراحل حرب الغازات السامة بالريف:

مرت حرب الريف بمرحلتين أساسيتين: مرحلة استعمل فيها الأعداء الأسلحة المرخصة دوليا كاستعمال الدبابات والمدافع والرشاشات والمدرعات والطائرات والسفن الحربية المدمرة. وقد بدأت هذه الفترة من سنة 1914م إلى سنة 1921م مع انهزام الإسبان في معركة أنوال المظفرة. كما تلقت إسبانيا في هذه المرحلة عدة خسائر بشرية ومادية في عدة مواقع حربية كجبل العروي، وكبدانة، وسلوان، وأظهار ءوبران، والناظور… مما أثر سلبا على معنويات الجيش الإسباني، وكانت لها أيضا انعكاسات وخيمة على الرأي العام الإسباني وحكوماته المتعاقبة.
ويعني هذا أن المقاومة الريفية في هذه المرحلة حققت انتصارات فائقة على قوات العدو عددا وعدة، وأسرت الكثير من الأسرى بما فيهم الجنرال نيفارو، واستطاعت المقاومة الريفية أن تحصل على غنائم كثيرة على مستوى العدة العسكرية، إذ حصلت على الكثير من الرشاشات والدبابات من مختلف العيارات فضلا عن الأسلحة الحديثة تقنيا بما فيها: البنادق، والطائرات، والسفن، والمدرعات، والمصفحات، والقنابل، ورصاص البنادق، والمتفجرات بمختلف أنواعها…
بيد أن ظروف الحرب ستتغير من سنة 1923م إلى غاية 1927م، إذ ستستعمل القوات الغازية الأسلحة الكيماوية الفتاكة والغازات السامة في مجابهة الريفيين للقضاء على المقاومة الريفية بشكل نهائي وإبادة السكان إبادة جماعية ليسهل على المحتل الاستيلاء على منطقة الريف قصد استغلالها استغلالا شاملا.

ولم يكن هذا التنفيذ إلا إرضاء للضغوطات السياسية والإعلامية وانتقاما من الريفيين الذين حققوا انتصارات مظفرة على حساب الكتائب الإسبانية في الكثير من مناطق الريف: “فأمام وحشية الحرب التي كان الطرفان المتنازعان، بشق النفس يحصلان فيها على الأسرى، وأمام التماطل والتأخير في تكوين جيش قادر على القتال ومداهمة الجبهات بقوة، وأمام عجز القيادات ومعاناة الجيش، طلب البرلمان استعمال الغازات السامة. وبهذه العبارات كان الحديث يجري بين كل من سولانوSolano وكرسبو دي لارا. Crespo de Lara
جاء الطلب على هذه الغازات في العشرين من غشت 1921م، وهو نفس التاريخ الذي طلبت فيه غازات سامة لشحن القنابل والمتفجرات المناسبة. لكن المواثيق الدولية أجهضت هذه المحاولة، فمرت سنتان”.(11)

وابتداء من سنة 1923م، ستقرر إسبانيا بناء معملين لتصنيع الأسلحة السامة والمواد الكيماوية، الأول في: “سان مارتين دي لافيغا (في الجنوب الشرقي لمدريد)، أطلق عليه اسم “ألفونصو الثالث عشر”. لكن وأمام ضعف الإنتاج، تم ربط الاتصال بمجموعة ستولزينبرغ Stolzenberg الألمانية، التي اقترحت تصنيع الكبريت بمليلية بطريقة تقليدية، تعتمد على معالجة المادة الأولية – ديجلكتول- بحامض الهيدروكلوريك. وتمت العملية بشراء أطنان من الديجلكتول، كانت الوحيدة من نوعها في العالم بأسره، وتم تهريبها من ألمانيا. كل هذه الأنباء والمعطيات وردت في برقية عثر عليها بين وثائق رومانوس. أما عن المصنع الذي كان إيزا يريد بناءه بمليلية، فقد تأتى له ذلك. فالمصنع حسب خريطة أنجزتها شركة مناجم الريف للمنطقة سنة 1934م بسلم 1/20. 000 كان يقع بموازاة الخيمة الثانية، في الكيلومتر 7. 400 من الطريق المؤدية إلى الناظور، وسمي بشكل واضح بمصنع الغازات.”(12)

وقد شاركت في قنبلة الريف كيماويا مجموعة من الطائرات الحديثة الخاصة بحمل القنابل الغازية الثقيلة من حجم 50 كلغ، و100 كلغ، يقودها كما قلنا سابقا طيارون مرتزقة من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وألمانيا. ويتضح هذا الأمر جليا من خلال ما جاء في تقرير لطيارين ألمانيين كانا قد شاركا إلى جانب الجيش الإسباني في حرب الريف يوليوز 1925م، “عندما ظهرت الحالات المرضية الأولى، الناجمة عن القصف بواسطة قنابل الغاز (اللوست) من دون أن يتمكن سكان الريف من الوقوف على أسبابها الحقيقية، ظهر لدى القبائل التي تعرضت للقصف الجوي ميل واضح للهجرة، إلا أنه (محمد بن عبد الكريم) كان قد وجه إليها نداء يحثها فيه على اتخاذ مجموعة من التدابير الوقائية المضادة للغازات التي تستعمل فيها الغازات السامة”.(13)
من هنا، نستنتج بأن دولتي فرنسا وألمانيا لم تلتزما باتفاقية فرساي لسنة 1919م التي كانت تحظر استخدام الأسلحة الفتاكة، فالتجأتا إلى بيعها لإسبانيا قصد استعمالها بطريقة تجريبية مخبرية في جبال الريف، بعد أن استعملت بضراوة في الحرب العالمية الأولى سنة 1917م.

وعلى الرغم من تردد ألمانيا وفرنسا في بداية الأمر بتمرير صفقة بيع هذه الغازات إلى إسبانيا، فإنهما، بعد ذلك، قبلتا بتنفيذ الصفقة في إطار حرب براگماتية عنصرية صليبية للقضاء على المقاومة الريفية الإسلامية لتحقيق مصالحهما المادية.
ومن ثم فقد سجل التاريخ العسكري الحديث، يقول الدكتور علي الإدريسي،: “بأن إسبانيا وفرنسا الموقعتين على معاهدة تحريم استعمال الغازات السامة في الحروب، أصبحتا أول دولتين في العالم تدشنان الحرب بالغازات الكيميائية عن طريق الجو بالطائرات، وبشكل ممنهج يرمي إلى تلويث المنطقة تلويثا شاملا بالغازات، خاصة وأن المختصين في آثار الغازات وتأثيرها أقنعوا القيادة الإسبانية أولا، ثم القيادة الفرنسية ثانيا، بأن منطقة الريف ذات التضاريس الوعرة، هي أكثر ملاءمة لإستراتيجية التلويث، لأن مفعول الغازات السامة بالوهاد والوديان يدوم مدة أطول من تلك التي يستغرقها بقاؤه بالأرض المنبسطة التي تبعدها الرياح عنها بسرعة.”(14)

وقد ترتب عن ذلك أن تعرضت أماكن كثيرة بشمال المغرب لهذه الغازات السامة بما فيها الناظور، وتمسمان، والحسيمة، وبني ورياغل، وتارگيست، وشفشاون، وتطوان، وطنجة، والعرائش. بيد أن المناطق التي تلقت ضربات غازية كثيرة هي مناطق القيادة ببني ورياغل وتمسمان. ويعني هذا أن القنابل الكيماوية كانت هادفة وانتقائية تختار أماكن المقاومة والقيادة العسكرية والأسواق العامة.
وتعد تيزي عزى المنطقة الريفية الأولى التي تلقت هجوما عنيفا بالأسلحة الغازية السامة المحظورة دوليا بعد أن أظهرت تيزي عزى مقاومة شرسة كادت أن تقضي بشكل نهائي على القوات الإسبانية: “وجاء هذا القرار الدموي بعد الاستيلاء على تيزي عزى، جنة الريف، فتبددت كل المخاوف، ففي يوم الخامس عشر من يوليوز 1923م، تحدث لويس سيلفيلا الذي كان وزيرا سابقا للبحرية، وآنذاك مقيما عاما على أيثبورو Aizpuro، إن الرعب الذي أحدثته سابقا التجارب البسيطة التي تمت في تيزي عزى باستعمال قذائف المدفعية، وطلب سيلفيلا بانعقاد اجتماع غدا بمجلس الوزراء، والعمل على حل الملف العالق، والذي يخص شراء وإرسال خمسة آلاف من قنابل الغازات السامة. وبعد التشاور مع الجنرالين كاسترو جيرونا، ومارتينيث أنيدو، اعتبر سيلفيلا أن الحل السريع يكمن في استعمال هذه الوسيلة، وستسمح هذه المبادرة بإنقاذ حياة رجالنا. وكيفما كان الحال فهذا أفضل من أن يروع الرأي العام بمنظر اشتباكات دامية.”(15)

واستعملت هذه الغازات السامة في التجمعات الكبرى كالأسواق كما وقع في سوق شفشاون، وأسواق غمارة حيث تسببت غارة واحدة أو غارتان في عمي أكثر من 80 فردا. وأطلقت الطائرات على سوق الأربعاء توريرت بوادي نكور بآيت ورياغل غازات سامة من نوع الإيبريت ضمن 100 قنبلة من 20 كلغ (C5.16) ودمرت كذلك بهذه الغازات السامة قرى بني زليعة وواد لاو في ناحية غمارة. ويعني هذا أن إسبانيا استعملت هذه الغازات السامة ضد الريفيين وضد جبالة، وضد بني عروس الساكنين بمحاذاة مدينة طنجة وتطوان.
ولم تنته إسبانيا من إطلاق هذه الغازات الكيماوية إلا في سنة 1927م عندما أعلن الجنرال سان خورخو Sanjurjoمن باب تازة بشكل رسمي نهاية الحرب في منطقة الريف.

- نتائج العدوان الكيماوي:



كان للعدوان الكيماوي على الريف نتائج بشرية واجتماعية وعسكرية وبيئية وصحية ونفسية وأخلاقية.
ففيما يخص النتائج البشرية، فقد ساهمت هذه الغازات السامة في قتل أكثر من 3000 قتيل برا وجوا وبحرا، كما أثبت ذلك محمد سلام أمزيان صديق عبد الكريم في القاهرة.(17) ولم تقتصر هذه الغازات على إبادة الريفيين فحسب، بل أصابت حتى الجنود الإسبان بسبب الرياح التي كانت تجري عكس ما يشاؤون، أو أثناء تحطم طائراتهم بفعل الأخطاء التقنية والضربات المضادة من قبل المجاهدين، ومن أمثلة ذلك ما وقع بمطار تاويمة بالناظور، وما حدث من تسربات غازية مرات كثيرة داخل مصانع الغازات الكيماوية.


وقد دفعت هذه الغازات السامة على المستوى الاجتماعي كثيرا من الريفيين إلى هجرة منازلهم وقراهم وحقولهم ليتجهوا نحو الجزائر، أو إلى المناطق الغربية القريبة كتطوان وطنجة والعرائش، أو إلى مناطق النفوذ الفرنسي كفاس ومكناس ووجدة وبركان.
أما فيما يتعلق بالنتائج العسكرية، فقد أدت هذه الغازات السامة إلى عرقلة المقاومة الريفية والتأثير على ميزان المعركة بعد أن كان الانتصار حليف الريفيين، فباستعمال المواد الكيماوية تغيرت الكفة لتكون من حظ الأعداء الغزاة؛ لأن المجاهدين الريفيين لم يستطيعوا أن يقفوا في وجه هذه الغازات السامة التي كانت تسمى عندهم بلفظة “أرهاج/ السم”. “وقد ساهمت هاته الضربات في إضعاف المقاومة الريفية وبث الفزع في صفوف الأهالي الريفيين خصوصا بعد أن تكثف القصف الجوي، الذي كانت تقوم به أسراب من طائرات القوتين الحليفتين، والتي كانت تلقي بالغازات السامة والمحرقة، فتلحق أضرارا مهولة بكل ما هو حي”.(18)


ومن ثم، يعود فشل ثورة عبد الكريم الخطابي واستسلامه إلى الاستخدام المكثف للأسلحة الكيماوية الخطيرة في كل مناطق الريف من الناظور شرقا إلى طنجة وتطوان غربا مرورا بالحسيمة وترگيست. وفعلا، فقد أخمد غاز اللوست الثورة الريفية بعد أن استلمت” إسبانيا 110 طن من غاز الإيبريت (اللوست) لاستعمالها في حرب الريف، فتم لها بذلك القضاء على التمرد الريفي”.(19)
وإذا انتقلنا إلى النتائج الصحية، فقد سببت هذه الغازات السامة في قتل الكثير من الريفيين وتشويههم عضويا وإصابتهم بالعمى واسوداد جلودهم، وإصابتهم بمرض السرطان، فقد صرح أطباء الإنكولوجيا بأن 50% من مرضى السرطان بالمغرب من منطقة الريف، وأغلبهم من الأطفال والنساء والعجزة.


وقد نتج عن الغازات المستعملة من قبل الأعداء في سقوط الشعر، وتساقط الجلد بفعل الحرائق الفسفورية، وكثرة الحروق، وارتفاع درجة الحمى، والإصابة بالأوجاع المعوية، والتأثير سلبا على الجهاز التنفسي بما فيه الصدر والفم والأنف، بله عن الأجهزة العضوية الأخرى كالجهاز الدموي والجهاز التناسلي والجهاز الهضمي.
وكان الريفيون يداوون هذه الأمراض الناتجة عن المبيدات الكيماوية باستعمال الزيت الحار، والنباتات التقليدية واللجوء إلى الطب الشعبين ولكن بدون جدوى ولا هدف.
كما كلفت أمراض السرطان الناتجة عن هذه الغازات السامة خزينة المغرب مصاريف مالية باهظة، كما يتجلى ذلك واضحا في استيراد أدوية مكافحة السرطان الغالية الثمن، وتكوين الأطباء الأنكولوجيين في الخارج، وبناء مستشفيات خاصة بمداواة مرض السرطان في المدن المغربية كالرباط، وجرادة، ووجدة، وغيرها من المدن بفاتورات مالية ضخمة.


أما النتائج البيئية لهذه الحرب الجرثومية الكيماوية، فتتمثل في تلويث البيئة، وتدمير السبل باللوست والأدخنة الغازية الصفراء، وتسميم المياه والأجواء والهواء، والقضاء على المزروعات والثمار، وإحراق الغلات المزروعة، وتخريب البنيات التحتية، وتجفيف النباتات الخضراء. وبهذا، كان لغاز اللوست تأثير خطير على البيئة وجميع مكوناتها النباتية والمائية والحجرية والحيوانية. فنتج عن هذا أن كثرت العقارب المسمومة في الريف والحشرات الجرثومية: ” وما يزال غاز اللوست أو الكبريت أو غاز دقة الخردل، مستعملا حتى أيامنا هذه، كسلاح ذري ذي فعالية قصوى، وكغاز حربي ممتاز على المستوى الميداني، ملائم تماما لتلويث التربة والنباتات والطرق والمواد الغذائية (كما يتضح ذلك من خلال استعماله في الصراع الإيراني- العراقي). وينفذ السائل الغازي عبر كافة أنواع الألبسة العادية كالقماش والجلد، بل وحتى الكاوتشوك، كما يلتصق بالخشب والمعدن… وتتميز عملية التخلص من التسمم الذي يحدثه بصعوبات كبيرة. كما يحدث غاز اللوست، بعد ملامسته للجلد بساعات قليلة، نفاطات وأوراما مبرحة، تتميز بصعوبة برئها، وتؤدي إلى الموت في الحالات المستعصية منها. كما تتسبب سحب ذلك الغاز في العمى المؤقت أو الدائم، وتلحق ضررا بليغا بالمسالك التنفسية، وتشكل في كل الحالات خطرا محدقا بالحياة”.(20)


وقد أصبحت الأمراض السرطانية تنتقل وراثيا وجينيا عبر تواتر الأجيال، وتنتقل من البيئة الحيوانية والنباتية والهوائية إلى الإنسان عبر العصور من الأجداد إلى الأبناء والأحفاد.
أما على المستوى النفسي، فقد سببت الغازات السامة والمبيدات الكيماوية في كآبة قاتلة، وإذكاء التهيج العصبي، وإثارة كثرة الانفعال وسرعة رد الفعل، مع الميل إلى العنف، وتلقي الصدمات النفسية المؤثرة، والجنوح نحو الخمول التام، والعزلة التامة، وتفشي الحزن النفسي، والخيبة الدائمة، ناهيك عن الإحساس بالغربة والوحدة عند الكبار والصغار على السواء بسبب اليأس من الواقع والحياة، واسترجاع الذاكرة، وتكرار سرد الأحداث تخييلا ولعبيا مع اللجوء إلى الصمت ولحظات التأمل، والإحساس بالقلق. أما المشوهون والمعطوبون فيحسون بالنقص، والهروب من الآخرين، وبالتالي، يشعرون بالعجز. لذا، يتلذذون بالوحدة والإخفاق والفشل والهذيان والعصاب النفسي، ويحسون أيضا بالخوف واقتراب الموت أثناء منامهم وارتياد أحلامهم.


وقد حدد الدكتور أحمد الحمداوي المتخصص في علم النفس المرضي مجموعة من الانعكاسات النفسية والإجرامية للسلاح الكيميائي على سكان الريف كالخوف الكثير، والشعور بعدم القدرة، والإحساس بالفزع، والرعب، والإثارة المفرطة، والحلم المتكرر للحدث، والإحساس بالضيق، وظهور انطباعات أو تصرفات مهيجة مفاجئة، وبلورة شعور الابتعاد عن الآخرين، وبلورة شعور عدم الاستثمار النفسي مثل: عدم القدرة على بناء المستقبل والنجاح في مهمة من المهام، ومشاكل الانخراط في السير العادي للحياة.(21)


ومن النتائج الأخلاقية لهذه الحرب الموبوءة أن دولة إسبانيا والدول الحليفة معها دول همجية متوحشة لا حضارة لها ولا أخلاق، وما تدعيه من مدنية وازدهار تقني لا تستفيد منه سوى شعوب هذه الدول المتغطرسة، والباقي هم عبارة عن رعاع وهمج دون مستوى العرق الأوربي. وفي هذا السياق يقول محمد بن عمر بن علي العزوزي الجزنائي: “من أعمال الإسبانيين السيئة التي لا تقبلها أي شريعة في الأرض، استخدامهم للغازات السامة ضد قرى الريف، وهي فضائع جنتها أيدي الإسبانيين كما اعترف بذلك رئيس وزرائهم حينذاك: (بريمودي ريفيرا)، والعقيد (فرانساشكو فرانكو) قيل: إنهما ندما على ذلك، يحملون أشد الكراهية لهؤلاء الغزاة، وأشد من ذلك، وأدهي وأمر، إنهم كلما قتلوا ريفيا، إلا وقطعوا أذنيه وأنفه، وحملوه معهم كعربون، وهو عرض لهمجية الغزاة (والذين لا أخلاق لهم)”(22).
بيد أن الإسلام وديننا الحنيف حرم استعمال الأسلحة السامة والمبيدات الكيماوية وتخريب العمران وتلويث المياه وتسميمها وحرق المزروعات وقتل الشيوخ والعجزة والأطفال والنساء مهما كانت دواعي الحروب وسياقاتها.

 

تفرسيت لم تسلم هي الأخرى من هته الحرب:

صورة تبين مكان القصف بالأسلحة الكيماوية

تفرسيت ضربت هي الأخرى بالغازات السامة وقت حصار المجاهد محمد بن عبد كريم الخطابي للمحتل الإسباني ببوحفورة، حيث عمدت قوات التحالف إلى جلب الغازات السامة من ألمانيا وإلقائها على مجاهدي الريف مما أثرت على سير ونهج الخطة التي رسمها الأمير ورجحت كفة المحتل لتنقلب الهزيمة فوزا.

لاتزال آثار العدوان قائمة لحد الساعة كما تسجل تفرسيت أعلى نسب حالات مرض السرطان مما يؤكد بالملموس أن أراضي تفرسيت ما تزال متشبعة بإشعاعات الأسلحة هته.

خاتمة:

تلكم هي الحرب القذرة الصليبية التي شنها الغزاة الإسبان ضد الريفيين المسلمين الذين لا يملكون من السلاح سوى العتاد البسيط في مقابل الأسلحة المتطورة الفتاكة التي يستعملها المستعمر وحلفاؤه ضد شعب أعزل آمن يدافع عن دينه وسيادته وأرضه وعرضه. بيد أن الريفيين لقنوا العداة درسا في البطولة لا ينسى ولاسيما في حرب أنوال التي حصدت الكثير من الجنرالات وقواد الجيش ناهيك عن حروب أخرى كدهار ءوبران، ومعركة أعروي، ومعركة سلوان، ومعركة ورغة…
وحينما فشلت القوات المتحالفة في صد قوات عبد الكريم الخطابي والقضاء على مقاومته الشرسة، اضطرت هذه القوات العدائية أمام ضغط الرأي العام العالمي وتوسع عبد الكريم الخطابي في شمال النفوذ الفرنسي إلى استعمال الأسلحة الكيماوية والغازات المبيدة الخطيرة؛ مما اضطر محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى الاستسلام في 27 ماي 1926م.
وإذا كانت إسبانيا وفرنسا قد انتصرتا في هذه الحرب غير المتكافئة عددا وعدة، فإن هذا النصر لم يتحقق في الحقيقة إلا باستخدام الأسلحة الكيماوية المحظورة دوليا، ويبقى المجد في الأخير للريف على حد تعبير أحد الصحافيين الأمريكيين.(25)
وبالتالي، فحرب الريف انتصرت على الأعداء أخلاقيا وحضاريا والتزمت بمبادئ الإسلام في إدارة شؤون الحرب، لذا قال الأمير عبد الكريم ضمن أقواله المأثورة تاريخيا للذين اعتقلوه واتهموه بالتوحش: ” حضارتكم مبنية على النار والحديد، تتوفرون على قنابل وقذائف ضخمة، لهذا تعتبرون أنفسكم متحضرين، وليس لدي سوى خراطيش البندقية لهذا فإنكم تعتبرونني متوحشا”.

 

 

 




 

 

عدد مرات المشاهدة: 354



اترك تعليقا